الأحد، 26 يوليو 2015

"رائحة مولانا".. هكذا يُصنع الديكتاتور

في روايته "العطر"، يقرر الألماني باتريك زوسكيد، أن تكون "الرائحة" هي البطل الحقيقي للنص، الذي يقرر مصائر الشخوص في هذا العالم، ويعيد تشكيل الواقع المعاش، وشيء كهذا يفعله أحمد عبد المنعم رمضان، في روايته "رائحة مولانا" الصادرة  أخيرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
الرائحة في رواية "رائحة مولانا"، هي إحدة تجليات الديكتاتورية، وآليات صنعتها، من الشعب ومن الحاكم، أشبه باللعنة التي تصيب الثائر الذي يتحول إلى ديكتاتور، والشعب الذي يختار أن يصنع طاغيته بنفسه، ف الرائحة التي تتحرك عبر صفحات الروايى، رائحة الطاغية، يصفها أحمد عبد المنعم رمضان بأنها أطول من الأشجار التي تنثر رائحتها على مر الزمان، وأعمق من رائحة العرق الممتدة في الآماد وأقوى من رائحة النار المشتعلة في القلوب، إنها رائحة مولانا: لا تعرف إن كانت أزكي من المسك والعنبر أم أحقر من روائح المجاري، ولكنك لا تستطيع أن تمنعها، لا تستطيع أن تغلق أنفك في طريقها ، وكذلك لا تتحمل أن تتنفسها، هي إذن رائحة الحياة كما قد يبدو في بعض الأحيان.
عبر واحد وعشرين فصلا في الرواية، تكون الرائحة هي الكلمة العظمى التي تحرك السرد، حيث ينتقل القارئ من رائحة البخور إلى روائح الموت والعرق واللوز والخوف والبهائم والخمر والقرنقل والغضب والقهوة والفانيليا والثورة والمانجو و السنين، لكن الأبرز هي رائحة "مولانا"، رائحة الطاغية وطغيانه، والذي تتحول رائحة عرقه إلى ترياق له، وسم لأعدائه، وهو ما قد يذكر بما قاله زوسكيد واصفا بطله بأنه "كانت أصعب معاناته تلك الكلمات التي لا تصف شيئا له رائحة, أي المفاهيم المجردة, وخاصة ذات الطبيعة الأخلاقية والمعنوية، التي لم يستطع الاحتفاظ بها كان يخلطها وغالبا ما يخطئ في استخدامها .. الله, الحق, الضمير"، فهذه المفاهيم تتوارى في عالم "مولانا"، لتصبح رائحته هي السلطان والسطوة والحق والضمير.
هذه الشخصية الأسطورية، شخصية مولانا، التي يرسم أحمد عبد المنعم رمضان جيدا، من عاديتها إلى تغولها، ومن اختيار اسمها، وبما يحمل في الوعي الجمعي من معنى، تأتي وسط قرية أسطورية الملامح أيضا "تنقسم إلى مخلوقين: رجال ونساء، أما عن الأطفال فهم مجرد نماذج مصغرة من هذين النوعين، التجاعيد  لا تنبت على وجوههم إلا في رسمة  معينة، خطان صغيران بجوار كل عين"، وربما مما يزيد من أسطورية النص ثلاث حكايات، تبدو كجمل اعتراضية وسط الرواية، إحداها قصة مثل شعبي، وأخرى فرعونية، وثالثة إغريقية، تتقاطع مع النص في علاقة الشعب بحاكمه.
من الممكن قراءة الرواية باعتبارها عن ديكتاتورية ما قبل ثورة 25 يناير، ومن الممكن قراءتها بأنها تشبه صناعة ديكتاتور تتم الآن، ومن الممكن قراءتها باعتبارها عن عصور أخرى أو بلدان أخرى، غير أن أحمد عبد المنعم رمضان اختار لها زمن زمن الحملة الفرنسية على مصر، وربما لأنه لم يشر إلى ذلك كثيرا ظل العمل عبر فصوله المتوالية، والبناء المحكم لشخصية "مولانا"، في شكله الأسطوري، الذي يشبه صناعة الآلهة في الأساطير الإغريقية، وربما ما ساعده على ذلك المكان الذي اختاره لكي تدور فيه روايته، قرية صغيرة في الريف ، قريبة من النهر، منبتة الصلة بالعالم، تشبه آلاف القرى في كل مكان.
شيء كهذا يشير إليه المؤلف على غلاف روايته، التي يشير إلى أنه أنهاها قبل الثورة، لكنه في لحظة إزاحة مبارك عن الحكم بفضل الفعل الثوري للشعب، يتساءل "هل ماتت الديكتاتورية؟ هل ماتت روايتي؟"، ليدرك في أحداث محمد محمود، والعود الأبدي للواقع، ومن الصراع الطويل بين عبيد الديكتاتوريات وهادميها، أن قصة مولانا لا تنتهي مثل روايته. إذن فعلى الرغم من أن المؤلف يحدد زمنا للرواية، إلا أن الواقع هو أن الحكاية وأسطورة صناعة الآلهة البشريين لا تنتهي.
لكن الأسطورة الحقيقة في النص، هي أسطورة صناعة الطاغية، حيث يقدم أحمد عبد المنعم، ثلاث طغاة، الأول الذي ينقلب "مولانا"عليه، ثم "مولانا" الذي يحكم الناس بالخوف، ثم "إسماعيل القطان" الذي يحوله الناس من ثائر إلى ديكتاتور، والمفارقة الواقعية تماما، حين يتحول من ثار على الطغيان إلى طاغية، وهو ما يشير إليه الروائي بقوله "الثائر هو نفسه بأي زمان أو مكان الفرق كل الفرق بمن يحيطون او من يجلسون من تحت اقدامه بقاعة المسرح من متفرجين او مصفقين".
"مولانا"،  يبدأ حمالا بسيطا، ثم ينقلب على "سيده"،  ليتم الانقلاب عليه في النهاية، لنظل في دائرة لا تنتهي، فالشعب مشغول بحياته، والطغاة مشغولون بمحاربة طغاة جدد أو قدامى، وهو ما لخصه أحمد عبد المنعم رمضان في بداية روايته بحكاية المثل المصري القديم الذي يكشف إشكالية صناعة الديكتاتور في مجتمعاتنا "يحكى أنه في غابر الأزمان، ذهب أحد الثوار إلى فرعون وقال له "من الذي ولاك علينا فرعونا"، فأجابه "لم أجد من يمنعني من أن أكون فرعونا"، أو كما يقول المثل الشائع "يا فرعون مين فرعنك، قال مالقتش حد يلمني"، هذه الحكاية، وهذا المثل، هما كلمة السر في رواية "رائحة مولانا"، وفي كيف يتم صناعة الفرعون، ودور الشعوب في ذلك، ودور رجال الدين، الذين إما أن يساعدوا في صنعه أو كسره.
يضع أحمد عبد المنعم رمضان لنفسه، ول"مولانا"، وللقارئ، عددا من المفاتيح لفهم النص، عبر ثماني قواعد سردية، تتكرر طوال الرواية، وتبدو أحيانا أنها نصائح للقارئ، أو للشعوب، أو للطاغية نفسه،  فالقاعدة الأولى "لا تعبث مع مولانا"، تبدو هي كتاب الشعوب الخائفة المقدس، أما القاعدة الثانية فهي أقرب للأسطورة في هذا الكتاب المقدس وهي "مولانا يموت أحيانا"، أما القاعدة الثالثة فهي "اختر حصانك بعناية"، حيث يبدو من المهم في كتاب الشعوب الخائفة التي تصنع الديكتاتور أن تصنع آلياته وأسلحته وكيف تتم "عسكرة" الطاغية، أما القاعدة الخامسة فهي التوقيت، وهي التي تدركها كل الديكتاتوريات في العالم، متى تخيف شعبك، متى تغير على عدوك، متى تبتسم في وجه منتقديك، متى يكون سحر التوقيت متى يكون التراجع ومتى يكون الانتصار.
القاعدة الخامسة "سوء الظن من حسن الفطن"، فالديكتاتور لا يثق في أحد، ومولانا لم يصبح كذلك إلا لأن الديكتاتور الذي سبقه خانه "الشك"،  وأمن مكر من حوله، أما القاعدة السادسة: كن وقحا فالديكتاتور لا يتسم بالأدب، والقاعدة السابعة: لا تطل النظر بالعيون، ففي ذلك نهاية الديكتاتور، ف" مولانا" الذي يصبح مشوها بعد معركة ضارية، يسقط في الحب بسبب ذلك "فيستبدل مولانا الطاغي في لحظة استثنائية، بآخر تائه بين خطوط وجه الحبيبة "مريم" المرسوم بعناية إلهية والمتدفق بالبراءة والحياة"، أما القاعدة الثامنة فتشبه نصيحة يوجهها المؤلف إلى الشعب النائم "كن ثائرا"، غير أن الثورة، كما يحدث غالبا في الواقع، تصنع ديكتاتورا جديدا، ومن عجيب أنه من الممكن أن نرى ملامح حامد القطان، الثائر على "مولانا" الغاضب، والذي قرر أن يثور عن "مولانا"، في مشاهد كثيرة من الواقع السياسي، مثل العقيد معمر القذافي، الذي بدأ حياته قائدا لثورة الفاتح لينتهي بكونه ديكتاتورا يثور شعبه عليه، وغيره من رؤساء عرب سابقين، لذا نرى أن إسماعيل القطان يصرخ مثلما صرخ ويليام والاس "الحرية الحرية"، وصحبته الموسيقى التي صحبت روبن هود في وحلاته بين الصحارى والغابات بحثا عن حقوق الفقراء، وطالت ذقنه ونفث من غليونه  مثلما فعل جيفارا وكاسترو، واسودت بشرته مثل مارتن لوثر كينج أو قد يكون أوباما، لكن يتحول الثائر الجديد في نهاية النص إلى مولانا جديد "يتشكل وجهه على على شاكلة وجه مولانا،  نفس صورته القبيحة التي علقت بالعيون لسنين طوال".
يقدم أحمد عبد المنعم رمضان ملمحا آخر من ملامح الديكتاتور، هو استغلال سلطة الدين، والذي تبدو أهميته لدى الطاغية في "أن الناس هنا تقدس الدين ورجاله، وتؤمن بالأقدار السماوية وتسيرهم كلمات الشيوخ، الكهنوت موجود عندهم حتى وإن أنكره الدين نفسه"، لذا يشير أحمد عبد المنعم في نصه إلى ما فعله عمر مكرم بمصائر كل من خورشيد والأمير محمد علي،  لذا يطلب "مولانا" من شيخ القرية أن يكون "عمر مكرم الخاص به"، وربما لأنه يدرك سلطة الدين يترك "الرعاع" يرمون الثائر الجديد بالكفر والإلحاد.
الإشكالية التي تطرحها الرواية هي أن الشعوب التي تصنع الديكتاتور، وخوفهم يحوله إلى أسطورة، لذا لا يموت "مولانا" على يد شعبه، بل بشكل عجائبي، حين يخرج باحثا عن مريم، فتصطدم رأسه بصخرة فيموت، وعلى الرغم من موته إلا أن أهل القرية يقررون تنصيب إسماعيل القطان "مولانا " آخر، رغم أنه يقول لهم "يا أغبياء أقول لكم لا داعي لوجود مولانا ، فتنصبوني مولانا، يا لكم من أذلاء".
لا أفضل التعامل مع رواية "رائحة مولانا"، باعتبارها العمل الأول لمؤلفها، فأحمد عبد المنعم رمضان، يقدم عملا متماسكا، وبنية سردية واضحة، ولغة شفافة رائقة يدرك كاتبها كيف يتعامل مع الكلمة، كما أن الرواية تتجاوز أخطاء التجارب الأولى، ويقدم عملا يستحق الكثير من التقدير.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عن سارة عابدين التي نظرت في مرآة الشعر حتى وجدت نفسها

ما هو الشعر؟ تقول الشاعرة المصرية سارة عابدين في ديوانها الجديد "المرأة التي نظرت في المرآة حتى اختفت" والصادر أخيراً عن د...